سهيلة عبد الباعث الترجمان
685
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
البيضاء « * » التي هي أصل الوجود ، حيث كان الحق قبل أن يخلق الخلق في ياقوتته البيضاء « 1 » . وأن هذه العلاقة قائمة على المحبة للسريان الإلهي في الموجودات حيث أن الرحمة هي العامل الأساسي لهذا الوجود ، وأن العالم ليس له وجود حقيقي إنما هو وجود متوهم يرسمه الخيال فقط « 2 » وهو بحكم العارية لأن الموجودات ليست إلا تجليات الأسماء والصفات التي تشكل وجود العالم المتكثر ولكنها جميعها تعود إلى المبدأ الواحد " اللّه " الحق الذي أوجد كل شيء . فإذا كان هذا هو شأن الخلق ، فما مصدره ؟ وهل يقول الجيلي بالخلق من العدم أم بواسطة ؟ - قضية الخلق : هل هي من العدم أم بواسطة ؟ تحتل هذه القضية ركنا هاما في مذهب الجيلي ، بالرغم مما هي عليه من خلاف بينه وبين غيره من أصحاب نظرية وحدة الوجود ، ممن قالوا بالفيض وأنكروا الخلق ، إذ أن أصل النظرية عندهم بلا جدال هو الانبثاق أو الصدور أو الفيض ، وهذا جميعه ينفي فكرة الخلق من عدم ، فإذا كان هذا واقع الحال لدى هؤلاء ، فإن الجيلي بدوره لم ينكر فكرة الخلق بالطريقة التي ارتآها أصحاب هذه النظرية حيث قال هو بالتنزّلات والتجليات ، وكيفية إيجاد الخلق عن الحق بهذه الطريقة ، إلّا أن ما ينفرد به الجيلي عن الآخرين هو قوله " بالخلق من العدم " إذ أنه يرى أن المصدر الذي صدر عنه التنزّل والتجلي من بعده هو " العدم " فينتفي بذلك أي وجود سابق للموجودات ، فلا وجود لها إلّا من " العدم المحض " وذلك بالقدرة الإلهية التي رتبت قضية الخلق وأوجدته على الصورة التي أرادتها . وبالشكل الذي اختارته ، وفي هذا إقرار من الجيلي بالقدرة الإلهية على الخلق والإبداع وإبراز الموجودات على النحو الذي وجدت عليه ، وذلك بقوة ذاتية محركة لذاتها بذاتها في ذاتها لإخراج الكنز المخفي دون وساطة أي شيء خارج عنها ، بل هي قوة ذاتية كامنة في الذات الإلهية ، وهذه لا تكون إلا للّه وحده . فهو
--> ( * ) تعرف الياقوتة البيضاء بحقيقة الحقائق ، وقد ورد الحديث عنها أن الحق سبحانه وتعالى كان قبل أن يخلق الخلق في ياقوتته البيضاء التي ذابت وصارت ماء لشدة عظمته وظهوره فيها . ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 63 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 32 .